حيثيات إعدام قاتل نيرة أشرف.. لماذا رفضت المحكمة طلب الدفاع بالتعديل لضرب أفضى إلى الموت
كشفت حيثيات الحكم بالإعدام لمحمد عادل قاتل الطالبية نيرة أشرف أمام جامعة المنصورة على تفاصيل جديدة في الحادث، وعن أسباب إصدار المحكمة لهذا الحكم
وقالت المحكمة في حيثياتها بإعدام المتهم محمد عادل محمد إسماعيل عوض الله، إن الدفاع طلب تعديل القيد والوصف بجعله ضربًا أفضى إلى الموت، فهو في حقيقته دفع بانتفاء نية القتل، التي سَيرد حديث الحكم عنها على نحو ما سيرد بيانه عند التحدث عن قصد القتل.
وحيث إنه عن طلب الدفاع عَـرض المتهم على الطب الشرعي لبيان مدى سلامة حالته العقلية، وإتزانه النفسي ساعة ارتكابه الجريمة، فلما كان النص في المادة 62 من قانون العقوبات المُستبدلة بالقانون رقم 71 لسنة 2009 بإصدار قانون رعاية المريض النفسي وتعديل بعض أحكام قانون العقوبات.
قد نص على أنه: "لا يُسأل جنائيًا الشخص الذي يُعاني وقت ارتكاب الجريمة من اضطراب نفسي أو عقلي لفقده الإدراك أو الاختيار، أو الذي يُعاني من غَيبوبة ناشئة عن عقاقير مُخدرة أيًا كان نوعها إذا أخذها قَهـرًا عنه أو عن غير علم منه، ويَظل مَسئولاً جنائيًا الشخص الذي يُعاني وقت ارتكاب الجريمة من اضطراب نفسي أو عقلي أدى إلى إنقاص إدراكه أو اختياره، وتأخذ المحكمة في اعتبارها هذا الظرف عند تحديد مدى العقوبة".
وهو نَص مُستحدث تَمَثل في إضافة الاضطراب النفسي للمتهم، إذا ما أفـقده الإدراك أو الاختيار وقت ارتكاب الجريمة، واعتبره سببًا للإعفاء من المسئولية الجنائية.
أما إذا اقتصر أثره على الإنقاص من إدراك المتهم أو اختياره فيظل المتهم مسئولا عن ارتكاب الجريمة، وإن جاز اعتبار هذا الإنقاص ظرفًا مُخففًا يَصح للمحكمة الاعتداد به عند تقدير العقوبة التي تُوقَع عليه.
لما كان ذلك ولئن كان من المُقرر أن تقدير حالة المتهم العقلية أو النفسية من المسائل الموضوعية التي تختص محكمة الموضوع بالفصل فيها، إلا أنه لسلامة الحكم يتعين إذا ما أثاره المتهم أن تُجري تحقيقًا من شأنه بلوغ كفاية الأمر فيه، ويجب عليها تَعيين خبير للبَت في هذه الحالة إثباتًا ونفيًا، فإن لم تَفعل كان عليها أن تُورد في القليل أسبابًا سائغة تَبني عليها قضاءها برفض هذا الطلب، إذا ما رأت من ظروف الحال ووقائع الدعوى وحالة المتهم مَسئوليته عن الجُـرم الذي وقع منه.
لما كان ذلك فإنَّ المحكمة بمُطالعتها للتحقيقات، واستجوابها للمتهم بمُوافقة مُحاميه الأصيل؛ قد استبان لها سلامة حالته العقلية والنفسية وسلامة إدراكه واختياره، قبل ووقت ارتكابه جريمة قتل المجني عليها وفي أعقابها، وذلك من إدراكه لِمَا خَطَط له، واختياره الاختيار الأمثل - من وجهة نظره - بين البدائل التي قد تَتعارَض أمامه فـي تنفيذه لمُخططه، وما يَحتاجه ذلك الاختيار بين البدائل من قَدر من التفكير والتقييم والخبرة والكفاءة لاختيار البديل الأمثل.
حتى وصل لتنفيذ مُخططه الإجرامي على النحو الحاصل يُستدَل على ذلك، مما اعترفَ به المتهم في الصحيفتين السابعة عشرة والثامنة عشرة من التحقيقات من أنه خَططَ لجريمته منذ رمضان الماضي.
ومن هذا التخطيط، أنْ كان اختياره لأداة الجريمة سكينًا جديدًا حادًا وليس سلاحًا آخر، ومن تفكيره في هذا السلاح بالذات وتَرجيحه على ما عَداه أدوات القتل (تَستخلص المحكمة من ذلك أنَّ المتهم اختار هُنا بين البدائل بصَدد أداة ارتكاب الجريمة عن وعي وإدراك لأسُس هذا الاختيار) يُؤخذ ذلك من تعليله لهذا الاختيار بالذات، بكونه يَعمل طباخًا ويُتقن استخدام السكاكين، ومن اختياره مكان وزمان التنفيذ.
وهو أيام امتحانات الفصل الدراسي الثاني من العام الجامعي الجاري بجامعة المنصورة (تَـستخلص المحكمة من ذلك أنه هُنا اختار بين بدائل مكان وزمان ارتكابه للجريمة عن وعي وإدراك لأسُس الاختيار) ومن تبريره لهذا الاختيار من أنه كان على يقين أنَّ المجني عليها ستحضر لأداء هذه الامتحانات.
وعلمه السابق بأنها لم تكن تحضر في أيام الدراسة نظرًا لسفرها إلى القاهرة وشرم الشيخ، كما أنه اختار عدم تنفيذ جريمته في الحافلة التي وَجَد فيها المجني عليها في اليوم الذي حَسَم فيه أمره وقرَّر قتلها، بعد أن رَاودته هذه الفكرة، (تَستخلص المحكمة من ذلك، أنه اختار هنا بين البدائل لمكان ارتكابه الجريمة، وإنه وقد فكَّرَ في تَغيير المكان من الحافلة إلى الجامعة - على هذا النحو - فإنه يكون عاقلاً واعيًا سليم النفس مُدركًا لأسُس الاختيار).
فاطمأنت المحكمة - إذن - إلى أنه كان مُدركًا أنَّ الحافلة ليست المكان المناسب؛ لا سيما وأنه قد علَّل ذلك، باحتمال عدم تحقق هدفه وهو قتل المجني عليها، إذا ما تَدخل الركاب وحالوا دون ذلك، فاختار المكان الأنسَب وهو خارج الحافلة، عندما نزلت منها المجني عليها وتَرجلت تجاه باب الجامعة، مما يقطع بإدراكه للبدائل المَطروحة أمامه، واختياره الأفضل منها.
يُضاف إلى ذلك، ما اعترفَ به بالصحيفة الثالثة عشرة من أنه عندما حاول البعض إقصائه عن المجني عليها وهو يُسدد لها الطعنات في جسمها، هَددهم بالسكين حتى لا يُخلِّصوها منه ثم عاد إليها بعد تَهويشهم وذبَحها من عُنقها (تَستخلصُ المحكمة من ذلك، أنه هُنا قد اختار التهديد والتلويح فقط، دون إيذاء الآخرين، لِعِلمِه بمَقصده ومُبتغاه منه سَلفًا وهو إزهاق روح المجني عليها فقط) .
مما يَدُل على سلامة حالته العقلية والنفسية، وأنه اختار ألاَّ يُورد نفسه مَهالك أكثر بتعديه على غير المجني عليها المقصودة، فهو مُدرك أنه ليس لديه الدافع للتعدي على هؤلاء، فلو كان مُعتلاً عقليًا أو نَفسيًا لاعتـدَى على أي منهم ولـو بأقـل قـدر من الاعتـداء، وذلك يَدل في يقين المحكمة على وعيه وإدراكه لأسُس الاختيار وسلامة حالته العقلية والنفسية .
وكذلك ما اعـترفَ به المتهـم من قيامـه بإرجاء تنفيـذ جريمته إلى ما بعـد الامتحان الأول والثاني؛ لكي تَظُن المجني عليها انصراف نيته عن النَيل منها - أو تَتوهَم ذلك - ليتمكن من تدبير أمره على نحو أفضل يُحقق هدفه وهو قتلها.
يُستفاد ذلك من إجابته في الصحيفة التاسعة عشرة على سؤال وجَّهتهُ إليه النيابة العامة: "لماذا استقرَّ اختيارك على ثالث أيام الامتحانات إذَن دون اليَومَين الأولَين؟".
فقال: "لأنْ أنا كُنت خايف إنْ يكون مِعاها حَد من أصحابها أو أهليتها، ولأنْ هي كانت عارفة إني مِش هَسكت، فقلت لازم أطمِنها لحَد ما أتمكن من تنفيذ اللي أنا عايزه".
(تَستخلص المحكمة من ذلك أنَّ المتهم قد اختار هُنا بين بدائل تَواردت على ذهنه بصَدد الوقت الأكثر مُناسبة لارتكاب جَريمته، وماهية الظرف المناسب ليُؤتي سلوكه المادي ثماره وهو إزهاق روحها، حتى لا يكون ثمة مانع يحول بينه وبين إتمامه.
مما يَدلُ في يقين المحكمة على وعي المتهم وإدراكه لأسُس الاختيار بين بدائل مُتعددة كانت مَطروحة أمامه فاختار أنسبَها من وجهة نظره، وهو ما يقطع بسلامة حالته العقلية والنفسية.
كما يُضاف إلى ذلك ويُعضِّده، ما ثَبَت في الدعوى مُـنذ فَجر التحقيقات وحتى انتهائها، أنَّ المتهم كان يُجيب على أسئلة النيابة العامة بدقةٍ بالغة وعبارات واضحة، وبكلام مُتناسق مُترابط لا هَذَيانَ فيه ولا تَهاتُر.
وجاء اعترافه مُطابقًا تمامًا لِمَا قام به من تمثيلٍ لكيفية ارتكابه الوقعة، ولم يَترك في اعترافه ولا في المُعاينة التصويرية أدق الأمُور، فذكَرَ صغيرها قبل عظيمها، مثل تبريره لاختياره السكين كأداة للقتل، بكَونه يعمل طباخًا ويُـتقن استخدام السكاكين، وبأنه يَعرف كيف يَضرب بها وأين يَضرب، وتعليله لاختياره مَكان الطعنات من جسم المجني عليها، بقوله إنه يعلم المَقاتل من جسد الإنسان، وحَددها - هو - بأنها الصدر من جهة اليسار والفَخذ والعُنُق.
كما حدَّدَ (في اعترافه بجلسة المحاكمة) المسافةَ بين المحلة الكبرى والمنصورة بالحافلة وهي نصف الساعة، ومن وتهديده للمجني عليها برسائل تَقطع بأنَّ كاتبها يَتمتع بحالة عقلية ونَـفسية سليمة، وبعبارة تدل على ما عَقد العزم عليه وقام بتنفيذه بالفعل وهو "القتل ذَبحًا" بدافع الانتقام.
ومن روايته تَفاصيلَ علاقته بالمجني عليها خلال ثلاثة أعوام مَضَت، ومن خُطته الإجرامية التي بدأ التفكير فيها - منذ عام ونصف - والتي اختمرت تمامًا في رمضان الماضي، ومن إرجائه التنفيذ في بداية الامتحانات، حين فكَّـرَ وخَشِي أن يكون معها مرافقًـا من أهلها، وإدراكه أن هذا الإرجاء من شأنه أن تَشعُرَ معه المجني عليها بالأمان مُؤقتًا من تهديداته، ومن روايتـه الدقيقـة الواعيـة لجِماع ما تَقـدم في تحقيقات النيابة العامة وتمثيله الجريمة حُرًا مُختارًا في مُعاينة تصويرية حضرها محاميه
ومن اعترافه بالتفكير في اختياره حِيلة تطمئن معها ضحيته إلى الأمان ليتمكن منها جيدا، وهي حُضوره جلسة عُرفية قضَت بمَنعه من مُلاحقتها ومُضايقتها عَبر وسائل التراسل الاجتماعي، ثم تَظاهُره بالاستجابة إلى ما ألزمته به هذه الجلسة العرفية، في الوقت الذي كان يُضمِرُ فيه قتلها.
وهي أحداثٌ لا يُخَطط لها، ويَختار بين البَدائل منها، ويُنفذها، وبَعد ذلك يَتذكرها ويَرويها بدقة، إلاَّ عاقل مُدرك غير مُعتَل العقل ولا مُضطرب النفس، الأمر الذي يكون معه قد وقَرَ في يقين المحكمة أنَّ المتهم مَسئولٌ عن جُرمه، وقد اقترفهُ وهو حافظٌ لشُعُوره واختياره، وفي حالة عقلية ونفسية مُنزَهة عن أي مَرض أو اضطراب ، مما لازمه رَفض المَحكمة طلب الدفاع في هذا الصدد.
وحيث إنه عن طلب الدفاع عرض المتهم على الطب الشرعي؛ لبيان ما به من إصابات، فهو طلبٌ تمَّ تحقيقه من النيابة العامة التي عَرضَته بالفعل، وجاء التقرير مُتضمنًا أنَّ إصاباته عبارة عن كدمات محمرة اللون، واقعة بكل من الوجنة اليسرى والجبهة والأنف، مصحوب بكسر بحاجز أنفي، ويمين العُنُق وأسفل يمين العنق وهي تَحدث من مثل المُصادمة بجسم راض أيا كان نوعه، ويجوز حدوثها في تاريخ معاصر لتاريخ الواقعة، والتي عَللها المتهم - نفسه - بالتحقيقات بأنها وليدة تَعـدِّي الأهالي عليه عقب التحفظ عليه والجريمة مُتلبَس بها.
وحيث إنه عن طلب الدفاع - في بَدء مُـرافعته - مناقشة شهود الإثبات السادس والثاني والعشرين والثالث والعشرين، فإنَّ هذا الطلب لم يكــن جازمًا إذ لم يتمسك به في ختام مُرافعته مُكتفيًا بمناقشة والد المجني عليها في الجلسة الأخيرة من جلسات المحاكمة، لمَّا كان ذلك، وكان من المقرر قانونا، أن المحكمة هي التي تُقرر مَن تَرى لزومًا لسَماع شهادته.
وكانت المحكمة قد اطمأنت إلى أقوال شهود الإثبات المذكورين في تحقيقات النيابة العامة، والتي تُليَت بالجلسة عملا بالمادة 289 إجراءات جنائية ولم تَتناقَض مع غيرها من الشهادات.
وجاءت مُتساندة معها بغير تَناقض ينال منها واطمأنت إلى كفايتها لتكوين عقيدتها في الدعوى ضِمن سائر أدلة الثبوت الأخرى المار بيانها، فإنها لم تكن بحاجة إلى مناقشتهم.
وحيث إنه عن طلب الدفاع فحص الهاتف المحمول الخاص بالمتهم، وتفريغ ما فيه من محادثات بينه وبين المجني عليها إن وُجد؛ وُصولاً إلى إثبات وجود علاقة بينهما، فمَردودٌ بأنه على فَرض وُجُود ما يُنبئ عن مثل هذه العلاقة العاطفية، فإنه لا يَعـدو أن يكـون حديثًـا في الباعـث على الجريمـة وهـو ليس ركنًا فيها، وعليـه فإن
المحكمة تلتفت عن هذا الطلب، فضلا عن أنَّ هاتف المتهم لم يُضبَط، ولم يُقـدمه المتهم أثناء التحقيقات، ولا الدفاع خلال المحاكمة.
وحيث إنه عما أثاره الدفاع من تناقض أقوال الشهود، فلما كان وزن أقوال الشهود وتقدير الظروف التي يؤدون فيها شهادتهم، وتعويل القضاء على أقوالهم مَهما وُجِّه إليها من مَطاعن وحَام حولها من الشبهات.
كل ذلك مَرجعه إلى محكمة الموضوع تُـنزله المنزلة التي تَراها، وتُقدره التقدير الذي تَطمئن إليه، ومتى أخذَت بأقوال شاهد، فإنَّ ذلك يُفيد أنها أطرَحَت جميع الاعتبارات التي ساقها الدفاع لحملها على عدم الأخذ بها، كما أنَّ تناقض أقوال الشهود أو تَضاربهم في أقوالهم، أو تناقض رواياتهم في بعض تفصيلاتها - بفرض حُصُوله - لا يَعيب الحكم أو يقدح في سلامته، مادام الحكم قد استخلص الحقيقة من أقوالهم استخلاصًا سائغًا لا تَناقُـض فيه، وهو الحاصل فيما استندت إليه المحكمة من أقوال الشهود. لما كان ذلك.
وكانت المحكمة قد اطمأنت إلى أقوال شهود الإثبات المذكورين في تحقيقات النيابة العامة والتي تُليَت بالجلسة عملا بالمادة 289 إجراءات جنائية، ولم تَتناقَض مع غيرها من الشهادات، بل جاءت مُتساندة معها بغير تَناقض ينال منها واطمأنت إلى كفايتها لتكوين عقيدتها في الدعوى ضِمن سائر أدلة الثبوت الأخرى المار بيانها فإنها لم تكن بحاجة إلى مناقشتهم.
وحيث إنه عما أثاره الدفاع من قُصُور التحقيقات وعدم وجود سوابق للمتهم فهو في غير مَحله، ذلك أنه لا يَبدو أن يكون جَدلاً موضوعيًا في تقدير الدليل، وهو ما تستقل به هذه المحكمة، التي اقتنعت بحُصول الواقعة بالصورة التي حَصَّلتها من أدلة الإثبات وفق ما سلف بيانه، وعليه، يكون مَنعى الدفاع في هذا الصدد غير سديد مُتعينا رفضه.
وحيث إنه عن تُوافُر نية القتل وظرف سبق الإصرار لدى المتهم - ويَـشمل الحديث عنه الرد على دفاع المتهم بانتفاء أركان جريمة القتل العمد مع سبق الإصرار بركنيها المادي والمعنوي - فلما كان قَـصْد القتل أمرًا خفيًا لا يُدرَك بالحَـس الظاهر، وإنما يُدرَك بالظروف المُحيطة بالدعوى والأمارات والَظاهر الخارجية التي يأتيها الجاني وتَنُمُ عما يُضمره في نفسه واستخلاص هذا القصد من عناصر الدعوى مَوكولٌ إلى قاضي الموضوع في حُدود سلطته التقديرية.
وأنَّ سَبق الإصرار، الذي هو حالة ذهنية تقوم في نفس الجاني وتُستفاد من وقائع خارجية بما تستلزمه من أن يكون الجاني قد فَكَّر فيما اعتزمه وتَدبَر عواقبـه وهـو هـادئ البال، وأنَّ البَحـث في تَوافُـره مـن إطلاقات قاضي الموضـوع يَستنتجه من ظروف الدعوى وعناصـرها ما دام مُوجب تلك الظروف وهذه العناصر لا يَتنافر عَقلاً مع ذلك الاستنتاج.
لمَّا كان ذلك، فإن نية القتل وظرف سبق الإصرار قائمان في حق المتهم مُتحققان في الدعوى، وذلك مِن تَوافُـر الدافع على الانتقام من المجني عليها التي رفضَت مُحاولاته المُستميتة في أن تكون شريكته في الحياة، ومن استحكام الخلافات بينهما مُنذ عام ونصف سابقة على الحادث، حتى بلغَت حَدَّ الغِلِّ والرغبة في الانتقام منها بالقتل ثأرًا لكرامته.
ومن ثُبوت تهديده لها بالذبح - أكثر من مَرة - من خلال رسائل صريحة بالذبح عَبر بعض تطبيقات التواصل الاجتماعي، ومنها انستجرام وواتس آب، ومن تَظاهُره بمُسايرة ما انتهت إليه جلسة عُرفية تعهد على أثرها بعدم مُضايقتها، ثم إصراره رغم ذلك على تنفيذ مُخططه الإجرامي، وإعداده سلاحًا أبيض قاتلا "سكينًا جديدًا حادًا" اشتراه قبل تنفيذ الجريمة بعشرين يومًا لهذا الغَرض واحتفاظِه به في "جرابه".
ليَبقَى نَصله حـادًا لسُـرعة تنفيـذ الجريمة واختياره لهذا النوع من السلاح بالذات لكونه طباخًا وله دراية ومَهارة في استخدام السكاكين، ثم طعنها به في مَقتلين من جسدها "أعلى يَسار الصدر وعُـنقها" وفي مَناطق متفرقة من جسدها بلغت سبعة عشر طعنة، ومن اختياره زمان ومكان الجريمة وهو امتحانات الفصل الدراسي الثاني.
ليقينهِ من حُضورها الامتحانات وشرائه السكين بعد الامتحان الأول وتصميمه على تنفيذ مُخططه الإجرامي ثلاث مرات بعد شرائها وقبل اليوم الذي أتمَّه فيه، الأولى بعد الامتحان الثاني.
إذ أحرز هذا السكين لهذا الغرض، لكنه خشي أن يكون معها مرافق من أهلها؛ فأرجأ التنفيذ مؤقتًا لهذا السبب، وكذلك لكي تَشعر المجني عليها بالأمان مُؤقتا من تهديداته حتى تَسنَح له الفُـرصة القاطعة بقتلها، والمُحاولة الثانية بعد الامتحان الثالث، ولكنه لم يَـرَها في هذه المَرة.
ومن تَــقصِّيهِ خط سيرها ومُراسلته لصديقتها مَيْ إبراهيم البسطويسي عَبر تطبيق التراسل الاجتماعي واتس آب من هاتفه النقال رقم 01125190390 للاستــفسار منها عن موعد الحافلة التي تُقل المجني عليها من المحلة الكبرى إلى مدينة المنصورة.
والمَرة الثالثة خلال أداء الامتحان الرابع، إذ أحرز ذات السكـين الجديد الحاد مَرة أخرى ليُنفذ جريمته، ولكنه لم يتمكن من رُؤيتها في هذه المَـرَّة أيضًا، ثم استمرار تصميمه على أن يكون التنفيذ خلال انعقاد الامتحان الخامس في يوم 20/6/2022 وفي هذا اليوم وهو في سبيله إلى الجامعة كان مُدجَجًا بهذا السلاح الأبيض.
وتَوجُههِ إلى محطة حافـلات شركة سركيس بميـدان المَشحمـة بالمحـلة الكبرى وانتـظاره مـن الساعـة العاشرة وعـشر دقائـق صباحًا حتى العاشرة وواحد وعشرين دقيقة ليَتيقّنَ من وجود المجني عليها بالرغم من وجود حافلة تَستعد للتحرك، وبها مقاعد خالية وعلى ذات خَط السير، الذي رصَدتهُ كاميرات المراقبة في هذا المكان "سِنتر النصر التجاري" - وإن كان لا يقدح في ذلك أنه لم يَرها إلا بعد صُعوده الحافلة التي تصادَف وجُودها فيها إذ كان يسعي للتوصل إليها من خلال ذلك.
ومن اعترافه باطمئنانه لرؤيتها لمَّا استَقل الحافلة التي وجدها فيها مع زميلاتها، ومن اعترافه بتفكيره في قتلها داخل الحافلة طيلة الرحلة التي استغرقت نصف الساعة من المحلة الكبرى إلى المنصورة ، ومِن تَـرَيثه مؤقتا لانتهاز فُـرصةً أفضل خَـشيةَ أنْ يَـزودَ الرُكاب عنها فتـفشَل خُطته.
ومِن تتبعها لمَّا بَلَغت الحافلة مُنتهاها أمام بوابة الجامعة "بوابة توشكي" ونُزول الجمعُ منها وكانت المجني عليها وزميلاتها من السابقات، وعَدْوه مُسرعًا ليلحَق بها وسط زحام طلاب العلم - غيرَ عابئ بمَن حولها - وهو ما قال عنه نصًا في الصحيفة الثالثة عشرة:
"وأول ما نزلنا هي كانت سابقاني بشـويـة وأنا نزلت وكان كـل اللي في دمـاغي إنْ أنا أروح أخلَّص عليها" إلى أن صارَت قابَ قوسَين أو أدنى من دُخول بوابة الحَرم الجامعي ومن استلالهِ السكين من غِمده من بين طيات ملابسه ومُوالاة الطعن فيها حتى سقطت أرضًا، واستمراره في تسديد الطعنات إليها في مَقتَلين هُما صُدرها من جهة اليسار وجنبها الأيسر بعد سُقوطها، قاصدًا إزهاق روحها.
ومن تهديده لحارس البوابة وطالب آخر حين حاولا إثنائه عن جُرمه، ثم عَودته إلى المجني عليها - بعد تهويشهما - وإمساكه رأسها بيُسراه وذبْحِها من عُنقها، ومن تأكيده في تحقيقات النيابة العامة بأنه فَكر بهدوء ورَوية قبل أنْ يقتل المجني عليها منذ سنة ونصف قبل إتمام جريمته إلى أنْ اختمَرت لديه الفكرة تمامًا في رمضان الماضي.
ومن اعترافه كذلك بأنه الذي يَظهر في المَقاطع التي صَورتها كاميرات المُراقبة في مُحيط مكان الحادث، وبأنه القاتل للمجني عليها بعد تفكيره وتدبيره على النحو مار البيان.
فإنَّ هذه الخلافات التي استمرت قُرابة العام ونصف العام قبل الحادث، وإعداد المتهم أداة القتل "السكين" قبل التنفيذ بعشرين يومًا لهذا الغرض وتَـتبُعه للمجني عليها ومحاولة قتلـها أكثر من مَـرَّة إلى أن ظفر بها، وطعنه لها بالسكين المُعَد سلفًا لقتلها به، وتوجيه الطعنات في مَقاتل من جسمها، فإنَّ هذا التخطيط الدقيـق المُحكم، سـواء ما تمَّ منه قبل تنفيذ الجريمة أو خلالها.
يَدلُ بيقين لدى المحكمة على تَوافر قصد القتل وظرف سبق الإصرار في حَـقه كما هو مُعَرَّف به في القانون، دلت عليه ظروف الحال وملابسات الحادث وتصرفات المتهم، والتي أوردتها المحكمة في تفصيلها السابق.
ويعتبر ذلك استكمالا للرد على الدفع بتعديل القيد الوصف وانتفاء نية القتل الذين أثارهما دفاع المتهم.
ولا ينال من توافر ظرف سبق الاصرار، ما أثاره المُحامي الحاضر مع المتهم من أنَّ الأخير لم يكن يَعلم أنَّ المجني عليها تستقل الحافلة التي استقلها من مدينة المحلة الكبرى، فهذا القول وإنْ صَـحَّ، لا يُغيِّر من الأمر شيئًا في توافر سبق الإصرار.
فهو وإنْ كان دفعٌ يتعلق بظرف الترصد الذي لم يُقَدَم به المتهم للمحاكمة ولا يُناقض ما اعترف به المتهم من أنه صمم على قتل المجني عليها وحَدد مكان ارتكابه للجريمة وهو الجامعة، وزمان ارتكابها وهو في أيام امتحانات الفصل الدراسي الثاني وليس في الحافلة.





















