عباس شومان: المنهج الأشعري يمثل أحد أعمدة التوازن العقدي الذي حفظ للأمة وحدتها عبر القرون
دعت الجلسة العلمية الأولى للمنتدى العلمي الدولي الأول لمركز الإمام الأشعري بالأزهر الشريف، التي عقدت اليوم الثلاثاء بمركز الأزهر للمؤتمرات، إلى إعادة قراءة المنهج الأشعري قراءة علمية معمقة، بوصفه إطارًا منهجيًّا وأخلاقيًّا متكاملًا لإدارة الخلاف العقدي، قادرًا على الجمع بين صيانة أصول الاعتقاد وترسيخ ثقافة الحوار، ومنع الانزلاق إلى مساحات الإقصاء والتكفير. وأدار الجلسة فضيلة أ.د. عباس شومان، الأمين العام لهيئة كبار العلماء، رئيس مجلس إدارة المنظمة العالمية لخريجي الأزهر، وشهدت حضورًا لافتًا لنخبة من العلماء والباحثين من داخل مصر وخارجها، في مشهد عكس البعد الدولي للمنتدى، وأكد مكانة الأزهر الشريف بوصفه مرجعية علمية عالمية في قضايا العقيدة والفكر الإسلامي.
وفي كلمته خلال إدارة الجلسة الأولى التي تعقد ضمن المنتدى الذي عنوانه: «الإمام الأشعري ومقارباته الفكرية للفرق الإسلامية: من الخلاف العقدي إلى أفق الحوار وإرساء الوسطية»، أكد فضيلة أ.د. عباس شومان أن عقد هذا المنتدى يأتي في توقيت بالغ الأهمية، في ظل ما يشهده العالم الإسلامي من أزمات فكرية وخطابات متشددة أسهمت في تعميق الانقسام داخل الأمة، مشددًا على أن المنهج الأشعري يمثل أحد أعمدة التوازن العقدي الذي حفظ للأمة وحدتها عبر القرون. وأوضح أن الأزهر الشريف حين يفتح هذا الملف العلمي، فإنه ينطلق من مسؤوليته التاريخية في جمع الكلمة، وترسيخ منهج الوسطية، وتقديم نموذج علمي رصين للحوار القائم على الفهم والإنصاف، بعيدًا عن منطق الصدام أو المغالبة، مؤكدًا أن تجديد علم الكلام لا يعني التفريط في الثوابت، وإنما توظيف المنهج الأصيل في معالجة أسئلة العصر.
وفي هذا السياق، قدّم أ.د. سمير بودينار، مدير مركز الحكماء لبحوث السلام بالمملكة المغربية، بحثه المعنون: «الحوار العقدي في ضوء الفلسفة الأخلاقية للإمام الأشعري: قراءة في سياق الأزمات الأخلاقية الراهنة»، موضحًا أن الفكر الأشعري أسّس منذ نشأته لرؤية أخلاقية منضبطة للحوار العقدي، لا تنفصل فيها الحقيقة العقدية عن القيم الأخلاقية الحاكمة للاختلاف، مثل التجرد العلمي، واحترام المخالف، وتحمل المسؤولية الشرعية والإنسانية. وبيّن أن الإمام الأشعري لم يكن مجرد مناظر جدلي، بل كان صاحب مشروع أخلاقي متكامل يهدف إلى ضبط الخلاف ومنع تحوله إلى تكفير أو إقصاء، مؤكدًا أن استدعاء هذا النموذج اليوم يُعد ضرورة ملحّة لمعالجة اختلالات الخطاب الديني المعاصر، وإعادة بناء الحوار العقدي على أساس وسطي يصون وحدة الأمة.
وتناول أ.د. عبد الرحمن محمد المراكبي، أستاذ العقيدة والفلسفة بكلية أصول الدين بالمنوفية، في بحثه «التحول الفكري والتوازن المنهجي والمذهبي للإمام أبي الحسن الأشعري»، المسار العلمي والفكري للإمام الأشعري، مبرزًا نسبه ومكانته عند العلماء، وتحوله من مذهب الاعتزال إلى مذهب أهل السنة والجماعة، مؤكدًا أن هذا التحول لم يكن خروجًا على إجماع الأمة ولا ابتكارًا لمذهب جديد، وإنما كان عودة واعية إلى عقيدة السلف الصالح. وأوضح أن من أسباب هذا التحول عجز المقولات الاعتزالية عن الإجابة عن الإشكالات العقدية الكبرى، وتقديم العقل في قضايا غيبية لا مجال له فيها، مشددًا على أن منهج الأشعري قام على اعتماد الأدلة النقلية الصحيحة، وجعل العقل تابعًا وخادمًا لها، مع رفض التكفير، والسعي إلى التقريب بين المذاهب، بوصف توحيد فكر الأمة أساسًا لوحدتها.
كما استعرض أ.د. محمود أحمد مصري، عضو الهيئة التدريسية بجامعة السلطان محمد، والمدير العام لدار المخطوطات بسوريا، بحثه المعنون: «التجديد المؤصل الأزهري في إحياء المذهب الأشعري»، متناولًا الدور التاريخي للأزهر الشريف في حفظ أصول المذهب الأشعري المستمدة من الكتاب والسنة، وتوظيف العقل خادمًا للوحي، من خلال بناء منظومة معرفية متكاملة اعتمدت على المتون والمنظومات والشروح. وأبرز إسهام المنظومات الشعرية، وفي مقدمتها «جوهرة التوحيد»، في ترسيخ المفاهيم العقدية وبناء التفكير المنطقي لدى الطلاب، فضلًا عن دور الشروح والحواشي الأزهرية في ضبط الفهم الكلامي، مؤكدًا أن الدور المركزي للأزهر اليوم يفرض عليه مواصلة هذه الرسالة في مواجهة محاولات التغريب وصرف الأمة عن ثوابتها.
وعقب ذلك، قدّم أ.د. عبد الفتاح عبد الغني العواري، عميد كلية أصول الدين بالقاهرة الأسبق وعضو مجمع البحوث الإسلامية بالأزهر، بحثه المعنون: «منهجية الإمام الأشعري مع الفرق في القضايا العقدية… منطلقاتها وغاياتها»، دافع فيه عن بطلان الدعوى القائلة بأن الفكر الأشعري كان سببًا في نشأة المذهبية العقدية، مؤكدًا أن الإمام الأشعري لم يبتدع رأيًا من عنده، وإنما قرر مذهب السلف ودافع عنه. وأبرز دعوته الصريحة إلى تضييق دائرة التكفير وتوسيع دائرة الإيمان، مستشهدًا بقوله: «أشهد أني لا أكفّر أحدًا من أهل هذه القبلة»، موضحًا أن الجمع بين العقل والنقل في منهجه أسهم في إطفاء نيران الفتن، وكان سببًا رئيسًا في إقبال الأمة على المدرسة الأشعرية لما تميزت به من وسطية واعتدال وسلامة منهج.
ومن زاوية غربية معاصرة، ناقش أ.د. جوزيف كامينج، الأستاذ بمعهد فولر ومدير معهد وودبيري الثقافي بالولايات المتحدة الأمريكية، بحثه حول «إشكالية ترجمة مفهوم صفات الذات في الفكر الأشعري إلى اللغات الأوروبية»، موضحًا أن ترجمة مصطلح ṣifāt إلى كلمة “attributes” حملت دلالات لاهوتية مسيحية سابقة أسهمت في تشويه الفهم الغربي للتصور الأشعري. وبيّن أن الإمام الأشعري قرر صفات الذات باعتبارها معاني قائمة بذات الله، لا مجرد أوصاف لفظية أو اعتبارات ذهنية، محذرًا من أن الترجمات غير الدقيقة تُفضي إلى قراءة معتزلية للفكر الأشعري، وداعيًا إلى تبني ترجمات أدق تعيد تقديم المذهب الأشعري في سياقه العقدي والمنهجي الصحيح.
واختُتمت الجلسة ببحث أ.د. السيد عبد الحليم مصطفى، أستاذ أصول اللغة بكلية البنات الأزهرية بطيبة الأقصر – جامعة الأزهر، بعنوان: «آليات الحجاج التداولي عند الإمام أبي الحسن الأشعري من خلال كتابه الإبانة في أصول الديانة»، حيث أوضح أن الحجاج يمثل سمة مركزية في منهج الإمام الأشعري في الدفاع عن العقيدة، وأن كتاب «الإبانة» يُعد نصًا حجاجيًّا سياقيًّا موجَّهًا لخصوم محددين من الفرق الكلامية، قائمًا على مراعاة السياق والقصدية وحال المتكلم والمخاطَب. واستعرض أنواع الخطاب الحجاجي وآلياته، مؤكدًا أن هذا المنهج يعكس وعيًا مبكرًا بأهمية الإقناع العقلي الرشيد في مواجهة الانحرافات الفكرية، وترسيخ الفهم السني الوسطي.



















