أوجاع الأمة تتصدر.. نص كلمة أبو الغيط أمام المجلس الاقتصادي والاجتماعي
ألقى أحمد أبو الغيط الأمين العام لجامعة الدول العربية، كلمة خلال أعمال الجلسة الافتتاحية لأعمال الدورة العادية (117) للمجلس الاقتصادي والاجتماعي للجامعة العربية (على المستوى الوزاري)، والتي عقدت صباح اليوم الخميس 5 فبراير 2026، بمقر الأمانة العامة بالعاصمة المصرية القاهرة.
وجاء نص الكلمة كالتالي:
معالي السيد كمال رزيق
وزير التجارة الخارجية وترقية الصادرات بالجمهورية الجزائرية الديمقراطية الشعبية
رئاسة الدورة الحالية للمجلس الاقتصادي والاجتماعي
أود في البداية أن أتقدم إليكم سيادة الرئيس بخالص التهنئة على تولي دولتكم رئاسة الدورة العادية (117) للمجلس الاقتصادي والاجتماعي، متمنياً لكم التوفيق والسداد، كما أعرب عن عميق التقدير إلى الجمهورية التونسية على رئاستها للدورة السابقة للمجلس، والإدارة الحكيمة لاجتماعاته،
يسعدني أن أشارك معكم اليوم في افتتاح أعمال الدورة العادية 17 بعد المائة للمجلس الاقتصادي والاجتماعي، وهي الدورة العادية التي تسبق انتهاء مدة ولايتي أميناً عاماً لجامعة الدول العربية بنهاية يونيو القادم، عشر سنوات شرفتُ خلالها بقيادة منظومة العمل العربي المشترك، واجهنا معاً تحديات متشابكة ومتنوعة وخطيرة، واغتنمنا سوياً ما أُتيح من فرصٍ لتعزيز العمل الاقتصادي والاجتماعي التنموي العربي المشترك.
وأود في هذا الإطار، أن أُركّز حديثي اليوم على عدد من النقاط:
أولاً: إن مشروع جدول أعمال اجتماع اليوم يتضمن موضوعات هامة، جرى بحثُها والإعدادُ لها من قِبل الفنيين والمختصين وكبار المسؤولين المعتمدين من دولكم الموقرة لدى المجلس الاقتصادي والاجتماعي، ونتطلع جميعاً لأن تخرج هذه الدورة بقرارات تكون على قدر أهمية الموضوعات المعروضة عليها.
ثانياً: لازال تدهور الأوضاع الإنسانية؛ يمثل تحدياً ملحاً وخطيراً في عدد من الدول العربية، في السودان؛ 12 مليون طفل لم يذهبوا للمدارس لثلاثة أعوام، في أطول فترة انقطاع عن الدراسة في هذا الزمان، لا يعني هذا بؤس الحاضر فحسب، بل قتامة المستقبل، وفي غزة، أكثر من 2 مليون يعيشون في خيام لا تصمد أمام البرد أو المطر، من دون الحد الأدنى من الخدمات الصحية والمعيشية، وفي ظل احتلال بشع يصر على تدمير بنية المجتمع، حصاراً وحرماناً، واستهداف أبنائه، قتلاً واغتيالا، ويحدث ذلك برغم وقف إطلاق النار، فمُنذ أكتوبر الماضي، قُتل نحو 500 فلسطيني أغلبيتهم الكاسحة من المدنيين ومن النساء والأطفال.
وفي اليمن والصومال من الأزمات الإنسانية الممتدة لسنوات ما تعرفون جميعاً أبعادها وآثارها، وهي معروضة على أجندات عمل مجالس وزراء عربية متخصصة لبحث سُبل الدعم الممكنة، كل في مجال اختصاصه.
وأقول إن التعامل مع هذه الأوضاع الإنسانية - المحزنة لكل عربي - والتصدي للأزمات بتخفيف وطأتها على الناس هي أولويات رئيسية للعمل الاجتماعي والتنموي في المرحلة الحالية، ويتعين أن يكون هذا المبدأ نُصب عين كل من يتصدى لقضايا التنمية في بلادنا، بالتخطيط أو بوضع البرامج التنموية ومتابعة تنفيذها.
ثالثاً: لقد أثبتت الممارسات أن التعاون الاقتصادي والاجتماعي والتنموي هو أسرع تأثيراً وأكثر فعالية من جوانب التعاون الأخرى، ذلك أن من شأنه أن يأتي بعوائد ملموسة يشعر بها المواطن العربي ويتفاعل معها، ولا زلتُ أرى أن الفرص سانحة أمام تدعيم أواصر هذا التعاون والحفاظ على مكتسباته، فمجالات التعاون رحبة وآفاقه متسعة، والتحديات لا زالت ماثلة، ولا سبيل أمام تخطيها سوى بالعمل الجماعي والمثمر.
لقد تأسس المجلس الاقتصادي والاجتماعي منذ أكثر من 70 عاما، وأصدر العديد من القرارات التي تضمنت آليات عملية وزمنية كفيلة - إذا ما تم الالتزام بها- بتخطي العقبات وجني ثمار التعاون القائم، وتظل القضية – في رأيي- متعلقة بإرادة العمل المشترك وليس جودة الخطط أو فاعلية البرامج والمشروعات.
رابعاً: يتعرض الاقتصاد العالمي في الآونة الحالية لاختبار قاسٍ لمؤسساته وقواعده، أسوار الحماية ترتفع للمرة الأولى مُنذ عقود، والاعتماد المتبادل صار يستغّل سلاحاً للإكراه، بعد أن كان طريقاً للنفع المشترك، وفي هذه الأجواء التي يهيمن عليها انعدام اليقين تبقى الثقة عملةً نادرة في التعاون الاقتصادي والعلاقات التجارية، وهو ما يمنح منطقتنا العربية- التي تنطق بلغةٍ واحدة وتسودها ثقافة متجانسة إلى حد بعيد- ميزة كبرى لا تتوفر لمناطق أخرى في العالم، والأمر مرهون بحُسن اغتنامنا لهذه الميزة، وقدرتنا على تحويلها إلى منظومة متكاملة من الاعتماد المتبادل بين الدول العربية.
خامساً: يمثل مجال الذكاء الاصطناعي، على وجه الخصوص، فرصة لا ينبغي على دولنا العربية تفويتها، كما يطرح - في نفس الوقت - تحديات وإشكاليات لا ينبغي التقليل من شأنها، وأحسب أن الاستفادة مما يوفره الذكاء الاصطناعي من فرص كبيرة للنمو في الإنتاجية، وتحديث قطاعات الاقتصاد المختلفة، يتعين أن يتصدر قائمة أولوياتنا في المرحلة القادمة، دون أن نغفل التهديدات المرتبطة بهذا المجال، وتأثيراته السلبية على سوق العمل.
وفي هذا الصدد، أدعو مجلسَكم الموقر إلى تطوير آليات عربية فعّالة لتبادل الخبرات وأفضل الممارسات بين الدول العربية في هذا الشأن، وبما يحقق المصلحة العربية العليا في مواكبة المتغيرات العالمية، وفي نفس الوقت يصون الثوابت القومية العربية.
أود التنويه مجدداً بـ "الرؤية العربية 2045"، التي طوّرتها الأمانة العامة بالتعاون مع الدول العربية والمنظمات الإقليمية والدولية الشريكة، ووافقت عليها القمة العربية التنموية: الاقتصادية والاجتماعية التي انعقدت في مدينة بغداد العام الماضي.
لقد ارتكزت هذه الرؤية على ستة محاور رئيسية، هي: الأمن والأمان، العدل والعدالة، الابتكار والإبداع، الازدهار والتنمية المتوازنة، التنوع والحيوية، التجدد الثقافي والحضاري.
سادساً: تظلُ المحاور الاقتصادية والاجتماعية للأمن القومي العربي ركيزةً مفصليةً لتحقيق هذا الأمن، بل قد تكون الموجّه الرئيسي له والإطار الأشمل لتعزيزه وصيانته، وأخُصّ بالذكر موضوعات الأمن الغذائي العربي، والأمن المائي، والأمن الاجتماعي، والأمن السيبراني، ولا شك أن منظومة العمل العربي المشترك تزخر بالأجهزة الكفيلة بتحقيق هذا الأمن العربي المنشود في القطاعات المختلفة، إذا ما توفرت الإرادة وصدقت العزيمة.
في ختام كلمتي، أود أن أؤكد أمامكم أنني قد شرفتُ خلال فترة ولايتي بخدمة العمل العربي المشترك من كافة جوانبه، مولياً الموضوعات الاقتصادية والاجتماعية اهتماما ًخاصاً باعتبارها صانعة المستقبل، وقد حرصت دوماً على تذليل العقبات أمام مختلف مسارات العمل الاقتصادي والاجتماعي، ووجهت كافة قطاعات الأمانة العامة وإدارتها المتخصصة بالعمل من أجل تحقيق أقصى قدر من التعاون العربي المشترك، وتنسيق الجهود وتقريب المواقف، والدفاع عن الحقوق العربية، وصون مصالح الأجيال الحالية والقادمة.
أشكركم سيادة الرئيس وأتمنى لكم التوفيق في رئاسة هذه الدورة.


















