من مهارات البحث إلى فقه الأسواق.. دار الإفتاء المصرية تؤصل لمنهج التعامل مع المعاملات المالية المعاصرة
في إطار توجيهات فضيلة الأستاذ الدكتور نظير محمد عياد، مفتي الجمهورية، رئيس الأمانة العامة لدور وهيئات الإفتاء في العالم، تتواصل أعمال الدورة التدريبية «منهجية دار الإفتاء المصرية في فتاوى المعاملات المالية»، عبر برنامج علمي يجمع بين الفهم الاقتصادي للأسواق والعقود، والتأصيل المقاصدي، والتكييف الفقهي، ومهارات البحث العلمي، بما يقدم للدارسين مسارًا متكاملًا لفهم المعاملات المالية المعاصرة ودراستها والحكم عليها، انطلاقًا من طبيعة المنتج أو العقد وآلية عمله وآثاره، وصولًا إلى استحضار الضوابط الشرعية والقواعد الفقهية والمقاصد، والاستفادة من الأدوات البحثية والتقنيات الرقمية في بناء الفتوى.
وفي محاضرة «المعاملات المتعلقة بالأسواق المالية البورصات بأنواعها»، تناول الأستاذ الدكتور محمد إبراهيم أبو شادي، أستاذ الاقتصاد ووزير التموين الأسبق، طبيعة الأسواق المالية ووظائفها وتصنيفاتها، موضحًا الفروق بين سوق النقد وسوق رأس المال وسوق الأوراق المالية، إلى جانب التمييز بين الأسواق الأولية التي تطرح فيها الأوراق المالية للمرة الأولى والأسواق الثانوية التي يجري التداول فيها بعد الإصدار، فضلًا عن تقسيم الأسواق إلى محلية ودولية ومنظمة وغير منظمة، مبينًا أن البورصة تمثل سوقًا منظمة لتداول الأوراق المالية وبعض السلع، وتؤدي دورًا في تنظيم حركة التداول ونقل الأموال بين أصحاب الفوائض والجهات والأشخاص المحتاجين إلى التمويل، بما يجعل فهم بنيتها الاقتصادية وآلياتها ضرورة تسبق النظر في أحكام معاملاتها.
وفي الانتقال من الوصف الاقتصادي إلى التكييف الشرعي، أوضح وزير التموين الأسبق أن البورصة في ذاتها لا تأخذ حكمًا شرعيًّا واحدًا بالإباحة أو التحريم، وإنما يتحدد الحكم بحسب طبيعة المعاملة والمنتج المالي محل التداول ومدى استيفائه للضوابط الشرعية، موضحًا أن هذا التصور يمثل أحد مرتكزات منهج دار الإفتاء المصرية في دراسة المنتجات المالية المعاصرة، حيث تدرس كل معاملة على حدة من خلال فهم حقيقتها وآلية عملها ومكوناتها وآثارها، مع استحضار مقاصد الشريعة في حفظ الأموال ومنع الضرر والغرر والربا، والتنبه إلى الذرائع التي قد تؤدي إلى المحظورات دون التوسع في المنع أو الإباحة بغير دراسة دقيقة، مؤكدًا أن المفتي في هذا المجال يحتاج إلى الجمع بين التأصيل الفقهي والمعرفة الدقيقة بالأسواق والمنتجات المالية حتى يأتي الحكم منضبطًا بحقيقة المعاملة.
وعلى مستوى العقود والاستثمار غير المصرفي، تضمنت محاضرة الأستاذ الدكتور عثمان أحمد عثمان، أستاذ الاقتصاد بجامعة القاهرة، موضوع «العقود المالية والاستثمارية في العقود غير المصرفية»، موضحًا الفروق بين دَور الاقتصادي والمحاسب في التعامل مع الموارد، ومبينًا أن الاستثمار وتنمية المال ليسا من المفاهيم المستحدثة، وإنما لهما جذور في الممارسة الاقتصادية لدى المسلمين الأوائل، مع استحضار قيمة العمل والتجارة واستثمار الموارد، كما عرض مرونة الشريعة الإسلامية في مجال المعاملات المالية وإمكان إنشاء صور جديدة من العقود ما دامت لا تصادم نصًّا شرعيًّا ولا تتعارض مع المقاصد والقواعد الكلية، لافتًا النظر إلى أهمية الدراسة الفقهية الدقيقة والتكييف الشرعي للمعاملات المستحدثة، بما يتيح التعامل مع الاحتياجات الاقتصادية المعاصرة في إطار الضوابط الشرعية.
وعلى الجانب الاستثماري، تطرق أستاذ الاقتصاد بجامعة القاهرة إلى عدد من مجالات الاستثمار المعاصرة، ومنها الذهب والأسهم وشركات الاتصالات وغيرها، مع ضرورة النظر في طبيعة النشاط الاستثماري وآلية تحقيق العائد ومدى توافقها مع الضوابط الشرعية. كما تناول تقسيم العقود إلى مباشرة وغير مباشرة، وما تتضمنه بعض صورها من توظيف المال أو العمل لتحقيق العائد وتنمية الموارد، رابطًا ذلك بأهمية العلم في فهم الواقع الاقتصادي واستيعاب مستجداته، ومشيرًا إلى دور الاقتصاد في دراسة الموارد وتنظيمها ومعالجة المشكلات التي تواجه المجتمعات، إلى جانب أهمية تنشيط التبادل التجاري بين الدول العربية والإسلامية وتعزيز التكامل الاقتصادي، بما يرسخ رؤية تجمع بين تنمية المال وتحقيق المصلحة والالتزام بمسؤولية المسلم في تحري الحلال والطيب في استثماراته ومعاملاته.
وعلى مستوى التأصيل المقاصدي، تناول فضيلة الدكتور أحمد ممدوح سعد، عضو الهيئة الاستشارية العليا لفضيلة المفتي، موضوع «المقاصد الشرعية وأثرها في الإفتاء المالي»، موضحًا أن النصوص المتعلقة بالمعاملات جاءت لتحقيق غايات ومصالح شرعية، وأن إدراك هذه المقاصد يعين المفتي على حسن تنزيل الأحكام على الوقائع المتغيرة، مع ارتباط باب المعاملات -بصورة خاصة- بمقصد حفظ المال وامتداده إلى بقية المقاصد بحسب طبيعة المعاملة وآثارها، مشيرًا إلى أن الإفتاء المالي المنضبط لا يقوم على تجاوز النص بدعوى المصلحة، كما لا يكتفي بظاهر الحكم بمعزل عن مقصده، وإنما يجمع بين الدليل وفهم علته ومقصده والنظر في آثاره ومآلاته، بما يحقق مصالح الناس ويدفع عنهم الضرر والحرج.
وفي إطار العلاقة بين التصور والتكييف والحكم، بيَّن عضو الهيئة الاستشارية العليا لفضيلة المفتي أنَّ الحكم على الشيء فرع عن تصوره، وأن فساد التصور قد يقود إلى اضطراب الفتوى أو شذوذها، وهو ما يجعل فهم حقيقة المعاملة خطوة سابقة على إلحاقها بنظير فقهي أو تنزيل حكم عليها، وأن اختلاف التكييف قد يؤدي إلى اختلاف الحكم رغم وحدة الواقعة الظاهرية، خاصة في العقود والصيغ المستحدثة التي تتعدد أوصافها المحتملة، كما نبَّه على أهمية الاستعانة بالمتخصصين في المجالات المالية والاقتصادية والقانونية والتقنية للوصول إلى تصور دقيق، مؤكدًا أن المقاصد الشرعية تمثل إطارًا موجهًا للاجتهاد وليست بديلًا عن النصوص، وأن فاعليتها تتحقق ضمن منظومة تجمع بين الدليل والتصور والتكييف وفهم الواقع والنظر في المآلات.
وفي الجانب البحثي، تحدث فضيلة الدكتور هشام ربيع، أمين الفتوى بدار الإفتاء المصرية، عن موضوع «مهارات البحث الفقهي»، واضعًا البحث المنهجي في مقدمة الأدوات اللازمة لصناعة الفتوى، موضحًا أن الوصول إلى الحكم الشرعي لا يقوم على الارتجال أو الانطباعات، وإنما يحتاج إلى تكامل الأدوات الشرعية واللغوية والتقنية، مع دقة التعامل مع النصوص والمصادر وتحليلها وتوثيقها، مشيرًا إلى أن العزو العلمي يمثل أحد أهم مظاهر الأمانة البحثية، وأن إهمال توثيق المعلومات والنقول يخل بالمنهج العلمي ويمس حقوق الملكية الفكرية، إلى جانب أهمية الاستفادة من الموسوعات الفقهية وكتب المذاهب وقواعد البيانات الرقمية وأدوات الذكاء الاصطناعي المساعدة، مع بقاء التحقق العلمي والباحث المتخصص في قلب العملية البحثية.
وفي امتداد لهذا الجانب، بيَّن أمين الفتوى بدار الإفتاء المصرية، أن امتلاك الباحث لمهارات التعامل مع التقنيات الحديثة أصبح جزءًا من الكفاءة البحثية المعاصرة، وأن القيمة الحقيقية للمصادر الرقمية لا تتوقف عند سرعة الوصول إلى المعلومات، وإنما تمتد إلى تنظيمها وتحليلها وتحويلها إلى معرفة يمكن توظيفها في بناء الحكم الشرعي، مع ضرورة الرجوع إلى أهل التخصص في المسائل التي تتداخل فيها الجوانب الاقتصادية أو الطبية أو الهندسية أو غيرها، مؤكدًا أن منهج البحث داخل دار الإفتاء المصرية يقوم على الجمع بين التأصيل الفقهي ودقة التوثيق وصحة التصور والتحقق من المعلومات والاستفادة من الخبرات المتخصصة، بما يجعل بناء المكتبة العلمية الرقمية بصورة منظمة استثمارًا طويل المدى في المعرفة والبحث وجودة الفتوى.
وتتكامل محاور اليوم التدريبي في تقديم رؤية عملية لصناعة الفتوى المالية، تبدأ بفهم الأسواق والعقود والمنتجات الاستثمارية، ولا تنفصل عن المقاصد الشرعية والتكييف الفقهي، ثم تستند إلى بحث علمي موثق وأدوات رقمية حديثة وخبرات متخصصة، بما يعزز من قدرة الدارسين على التعامل مع النوازل المالية المستحدثة بصورة تجمع بين دقة التصور وعمق التأصيل ووعي الواقع وحسن التطبيق، وترسخ منهجية مؤسسية قادرة على مواكبة التحولات المتسارعة في عالم المال والاستثمار مع صيانة الضوابط الشرعية وحفظ مصالح الناس.














