”معلومات الوزراء” :465 ميون وظيفة ارتبطت بالتجارة الدولية خلال عام 2024
أصدر مركز المعلومات ودعم اتخاذ القرار بمجلس الوزراء، تحليلاً جديداً حول دور التوظيف المرتبط بالتجارة الدولية في تعزيز فرص العمل، مشيراً إلى أن عدداً كبيراً من الوظائف يرتبط بالأنشطة التجارية الدولية؛ إذ لا يقتصر التوظيف على تلبية الطلب المحلي فقط، بل يشمل كذلك إنتاج السلع والخدمات الموجهة للتصدير إلى الأسواق الخارجية، أو إنتاج المدخلات التي تدخل في تصنيع منتجات وخدمات معدّة للتصدير لاحقاً، كما تمتد فرص العمل المرتبطة بالتجارة إلى أنشطة الاستيراد وما يتصل بها من عمليات وخدمات لوجستية، وهو ما يجعل تلك الوظائف عرضة للمخاطر عند تعطل التدفقات التجارية العالمية.
وأوضح التحليل أن الشركات المحلية قد تلجأ إلى استخدام المدخلات المستوردة لرفع إنتاجيتها وتعزيز قدرتها التنافسية في الأسواق الدولية، غير أن هذه الواردات قد تمثل في الوقت ذاته منافسة مباشرة للسلع المحلية، ومن ثم لا تقتصر آثار التجارة الدولية على توسع الشركات المستفيدة من الانفتاح على الأسواق الخارجية، بل تمتد أيضاً إلى انكماش شركات أخرى وخروجها من السوق. ويؤثر ذلك بدوره على قدرة العمال على التكيف مع التحولات الاقتصادية، حيث قد ينتقل العاملون من الشركات الأقل إنتاجية إلى شركات أكثر كفاءة، بينما قد يتعرض آخرون لفترات بطالة مؤقتة أو ممتدة إذا واجهت عملية إعادة توزيع العمالة عقبات جغرافية أو مؤسسية.
وأشار التحليل إلى أن الاقتصاد العالمي يشهد تحولاً من مرحلة اتسمت بالاستقرار النسبي والتكامل الاقتصادي إلى مرحلة جديدة تتسم باضطرابات سلاسل الإمداد، وتصاعد التنافسات الجيوسياسية، وارتفاع مستويات عدم اليقين في السياسات الاقتصادية، الأمر الذي أدى إلى تغيرات واسعة في تأثيرات التجارة على سوق العمل. وأصبحت التجارة ترتبط بشكل متزايد بتنويع الأسواق وبناء سلاسل إمداد وخدمات لوجستية أكثر مرونة، لكنها في المقابل ترفع احتمالات تركز خسائر الوظائف في قطاعات أو مناطق بعينها نتيجة الصدمات التجارية المفاجئة أو الارتفاع الحاد في الواردات.
وأضاف التحليل أن منظمة التجارة العالمية أوضحت من خلال تحليلها للعلاقة بين التجارة والتكنولوجيا والوظائف أن آثار التجارة على سوق العمل لا ترتبط فقط بمستويات التعريفات الجمركية، بل تعتمد بدرجة كبيرة على قدرة الاقتصادات على التكيف ورفع كفاءة مؤسساتها المحلية، وهو ما يستلزم تبني سياسات اقتصادية تستهدف رفع كفاءة سوق العمل وتعزيز قدرته على الاستجابة للتغيرات الاقتصادية المتسارعة.
وأوضح التحليل أنه وفقاً لتقديرات البنك الدولي، يُعد توفير المزيد من فرص العمل الملائمة حجر الزاوية في التنمية الاقتصادية والاجتماعية، حيث يتمكن الأفراد من تحسين مستويات معيشتهم والتغلب على الصعوبات من خلال زيادة دخولهم. وقد ارتبط الانفتاح على التجارة الدولية تاريخياً بتوفير فرص عمل أفضل وتحقيق تأثيرات إيجابية متعددة على سوق العمل، تمثلت في التوسع في التوظيف، خاصة في حالة واردات المدخلات الوسيطة المستخدمة في الإنتاج الموجه للسوق المحلية أو للتصدير، كما ظهرت قوة هذه العلاقة في أنشطة التصدير والمشاركة في سلاسل القيمة العالمية، لاسيما في القطاع الصناعي. وتشير الأدلة إلى أن الشركات الصناعية الأكثر اندماجاً في التجارة الدولية توظف النساء بنسبة أعلى مقارنة بالشركات غير المنخرطة في التجارة الدولية، بما يعزز التوظيف الإجمالي وتوظيف النساء في الدول منخفضة ومتوسطة الدخل.
كما يسهم نمو التجارة الدولية في رفع مستويات أجور العاملين بدرجة تفوق تأثيره على زيادة عدد الوظائف، خاصة في خدمات التجارة، كما يسهم الاندماج في سلاسل القيمة العالمية في تقليص التفاوت في الأجور داخل الدول منخفضة ومتوسطة الدخل نتيجة التوسع في الوظائف الروتينية، بينما قد تتسع فجوة الأجور في الدول مرتفعة الدخل مع تراجع تلك الوظائف. كذلك تميل إنتاجية العمل إلى الارتفاع مع التوسع في التصدير، خاصة في قطاع التصنيع والصناعات منخفضة التكنولوجيا والقطاع الزراعي، وهو ما يمثل مؤشراً إيجابياً للدول النامية نظراً لاستيعاب هذه القطاعات نسبة كبيرة من العمالة غير الماهرة.
وفي المقابل، أوضح التحليل أن التجارة الدولية رغم دورها التاريخي في رفع الرفاهة وخفض الفقر عالمياً، فإن آثارها داخل الاقتصادات تختلف بصورة كبيرة؛ إذ قد يستفيد الأفراد كمستهلكين، لكنهم يتعرضون في الوقت نفسه لخسائر كعمال في قطاعات أو مناطق أكثر عرضة للمنافسة الخارجية. وتعتمد تبعات التوظيف المرتبط بالانفتاح التجاري على مرونة حركة العمالة، وديناميكيات الشركات، وقوة السوق، والقدرة على التطور داخل سلاسل القيمة العالمية.
وأشار التحليل إلى أن الانفتاح التجاري قد يؤدي إلى فقدان الوظائف في بعض القطاعات غير القادرة على المنافسة، حيث يسهم في تقليص الريع الاقتصادي وتراجع الأجور في القطاعات والمناطق الأكثر تعرضاً للمنافسة الخارجية، كما أن العوائق الجغرافية والمؤسسية قد تؤدي إلى ركود طويل الأمد في مستويات التوظيف والدخل بالمناطق المتضررة. كما أسهم التقدم التكنولوجي وانتشار الحواسيب والروبوتات في تقليص الاعتماد على العمل البشري داخل القطاع الصناعي، في الوقت الذي تميل فيه سلاسل القيمة العالمية إلى تفضيل الأنشطة كثيفة المهارات، الأمر الذي يضعف الميزة النسبية للدول النامية ويحد من قدرة القطاع الصناعي على استيعاب العمالة.
وأكد التحليل أن التجارة الدولية تعد من الركائز الأساسية لدعم النمو الاقتصادي وتوليد فرص العمل، حيث تشير بيانات منظمة العمل الدولية إلى أن نحو 465 مليون وظيفة، بما يمثل 15.3% من إجمالي العمالة العالمية، ارتبطت بشكل مباشر أو غير مباشر بالتجارة الدولية خلال عام 2024، من خلال الاعتماد على الطلب الخارجي وصادرات السلع والخدمات وسلاسل التوريد المرتبطة بها.
وأوضح أن منطقة آسيا والمحيط الهادئ استحوذت على أكثر من نصف هذه الوظائف بواقع 278 مليون وظيفة، تلتها أوروبا وآسيا الوسطى بنحو 96 مليون وظيفة، بما يعكس الأهمية الحيوية للتجارة الدولية في دعم العمالة وتحفيز النشاط الاقتصادي.
وفي المقابل، يؤدي تباطؤ نمو التجارة واضطراب سلاسل التوريد العالمية إلى إبطاء وتيرة التوظيف وانتقال العمالة بين القطاعات، وهو ما ينعكس سلباً على مؤشرات العمل اللائق عالمياً، الأمر الذي يجعل تصميم سياسات تجارية فعالة ضرورة لتعظيم المكاسب الوظيفية وتقليل الآثار السلبية المحتملة على العمالة.
وأوضح التحليل أن من أبرز السياسات المقترحة لتعزيز الاستفادة من التجارة الدولية دعم مرونة سوق العمل من خلال تسهيل انتقال العمالة بين القطاعات والمناطق المختلفة، وتمكين الأفراد من تغيير الأنشطة والمهن بما يتلاءم مع التحولات الهيكلية في الاقتصاد، إلى جانب ربط الإصلاحات التجارية بسياسات اجتماعية داعمة للعمال المتضررين من المنافسة الدولية، مثل برامج دعم التكيف مع التجارة.
كما تشمل السياسات المقترحة خفض تكاليف التجارة عبر تقليل التعريفات الجمركية والقيود غير الجمركية والانخراط في الاتفاقيات التجارية التفضيلية، بما يسهم في توسيع الأسواق أمام الشركات المحلية وزيادة قدرتها على التصدير ورفع الطلب على العمالة.
وأشار التحليل إلى تقديرات البنك الدولي التي تفيد بأن تخفيض الرسوم الجمركية في الدول الأعضاء بمنطقة التجارة الحرة القارية الإفريقية (AfCFTA) يمكن أن يرفع مستويات الرفاهة بنسبة 0.2%، بينما يؤدي خفض التدابير غير الجمركية في السلع والخدمات إلى النصف إلى زيادة الرفاهة بنسبة تصل إلى 1.6%، مع ارتفاع المكاسب المتوقعة عند تحسين إجراءات تيسير التجارة.
كما تناول التحليل أهمية تسهيل استيراد السلع الوسيطة لتعزيز الإنتاجية وخلق فرص عمل جديدة، خاصة أن العديد من المدخلات المستوردة تمثل مكملاً للإنتاج المحلي، بما يسهم في تحسين كفاءة الشركات وزيادة قدرتها التنافسية، فضلاً عن أهمية تطوير خدمات النقل والتمويل والبحث والتطوير لدعم الإنتاج الصناعي والتصدير.
وأكد التحليل أهمية الدور الذي تضطلع به الدولة في إدارة التحولات الناتجة عن الانفتاح التجاري، من خلال تطبيق الإصلاحات التجارية بصورة تدريجية لتقليل آثارها السلبية على سوق العمل، ومنح الشركات والعمال الوقت الكافي للتكيف مع البيئة الاقتصادية الجديدة، بدلاً من تطبيق سياسات تحرير تجاري سريعة قد تؤدي إلى صدمات اقتصادية حادة وفقدان الوظائف في بعض القطاعات.
واختتم التحليل بالتأكيد على أن التجارة الدولية قادرة على خلق فرص عمل وتحسين الأجور إذا ما أُديرت ضمن حزمة سياسات متكاملة تشمل رفع تنافسية الاقتصاد، وخفض تكاليف التجارة، وتنويع الصادرات، والارتقاء داخل سلاسل القيمة العالمية، والاستثمار في المهارات وربطها باحتياجات قطاعات التصدير والخدمات، إلى جانب توفير مرونة في انتقال العمالة بين القطاعات المختلفة، بما يخفف من صدمات إعادة الهيكلة الاقتصادية. وأوضح أن غياب تلك السياسات قد يؤدي إلى استمرار البطالة أو هشاشة سوق العمل أو اتساع فجوات الأجور، رغم نمو التجارة الدولية، خاصة في ظل ضعف مواءمة التعليم والتدريب مع احتياجات سوق العمل الحديثة.



















